العلامة الحلي
12
نهاية المرام في علم الكلام
الحيوانات على الوجه الأكمل . والذي بقي فيها من الفساد غير ممكن الزوال . ثمّ إنّ اللّه تعالى أفاض على النفس عقلا وإدراكا ، وصار ذلك سببا لتذكرها عالمها ، وسببا لعلمها بأنّها لا تنفك عن الآلام ما دامت في العالم الهيولاني . وإذا عرفت النفس هذا وعرفت أنّ لها في عالمها اللذات الخالية عن الألم اشتاقت إلى ذلك العالم وعرجت بعد المفارقة وبقيت هناك أبد الآباد في نهاية البهجة والسعادة . قالوا : وبهذا الطريق زالت الشبهات الدائرة بين الفلاسفة القائلين بالقدم وبين المتكلّمين القائلين بالحدوث ؛ فإنّ القائلين بالقدم قالوا : لو كان العالم محدثا فلم أحدثه اللّه تعالى في هذا الوقت ، دون ما قبله وما بعده ؟ وإذا كان الخالق تعالى حكيما فلم ملأ الدنيا من الآفات ؟ والقائلون بالحدوث قالوا : لو كان العالم قديما لكان غنيا عن الفاعل ، وهو باطل قطعا لما نرى من آثار الحكمة وظهورها في العالم . وتحير الفريقان في ذلك . وأمّا على الطريق الذي سلكناه فالإشكالات بأجمعها زائلة ؛ لأنّا لمّا اعترفنا بالصانع الحكيم لا جرم قلنا بحدوث العالم . فإذا قيل : فلم أحدث العالم في هذا الوقت ؟ قلنا : لأنّ النفس إنّما تعلقت بالبدن « 1 » في ذلك الوقت ، وعلم الباري تعالى أنّ ذلك التعلق سبب الفساد ، إلّا أنّه بعد وقوع المحذور صرفه إلى الوجه الأكمل بحسب الإمكان . وأمّا الشرور الباقية ، فإنّما بقيت لعدم إمكان تجريد هذا المركب عنها . الأوّل : لم تعلقت النفس بالهيولى بعد تجردها ؟ فإن حدث هذا التعلق بكلّيته لا عن سبب ، فجوزوا حدوث العالم بكليته لا عن سبب .
--> ( 1 ) . في عبارة الرازي : « الهيولى » . تلخيص المحصل : 193 .